القرطبي

128

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والاتباع بسهولة . والكره ما كان بمشقة وإباء من النفس . و ( طوعا وكرها ) مصدران في موضع الحال ، أي طائعين ومكرهين . وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " قال : ( الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض ) . وقال عليه السلام : ( لا تسبوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف ) . وقال عكرمة : " طوعا " من أسلم من غير محاجة " وكرها " من اضطرته الحجة إلى التوحيد . يدل عليه قوله عز وجل : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " [ الزخرف : 87 ] ( 1 ) " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله " [ العنكبوت : 63 ] ( 2 ) . قال الحسن : هو عموم معناه الخصوص . وعنه : " أسلم من في السماوات " وتم الكلام . ثم قال : " والأرض طوعا وكرها " . قال : والكاره المنافق لا ينفعه عمله . و " طوعا وكرها " مصدران في موضع الحال . عن مجاهد عن ابن عباس قال : إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا ( 3 ) فليقرأ في أذنها هذه الآية : " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " إلى آخر الآية . قوله تعالى : ومن يبتغ غير الأسلم دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( 85 ) . " غير " مفعول بيبتغ ، " دينا " منصوب على التفسير ، ويجوز أن ينتصب دينا بيبتغ ، وينتصب " غير " على أنه حال من الدين . قال مجاهد والسدي : نزلت هذه الآية في الحارث ابن سويد أخو الحلاس بن سويد ، وكان من الأنصار ، ارتد عن الاسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفارا ، فنزلت هذه الآية ، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة . وروي ذلك عن ابن عباس وغيره . قال ابن عباس : وأسلم بعد نزول الآيات . ( وهو في الآخرة من الخاسرين )

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 123 . ( 2 ) راجع ج 13 ص 361 . ( 3 ) شمست الدابة : شردت وجمحت ومنعت ظهرها .